محمد بن عبد المنعم الحميري

184

الروض المعطار في خبر الأقطار

ويسكن جيان . ولها أقاليم كثيرة وقرى عامرة وعمائر واسعة . ومن جيان الحافظ أبو علي الجياني الإمام الضابط . وأنشد بعض أهل جيان عند الخروج منها بتغلب العدو عليها : أودعكم وأودعكم جناني * وأنثر عبرتي نثر الجمان وإني لا أريد لكم فراقاً * ولكن هكذا حكم الزمان وقال الخطيب بها على المنبر عند العزم على الانفصال عنها في خطبته : وهذه آخر خطبة تقام بجيان ومن أهل جيان الأستاذ أبو ذر مصعب بن محمد بن مسعود بن عبد الله بن مسعود الخشني المعروف بابن أبي ركب ، وهو القائل بعد خروجه من جيان : أجيان أنت الماء قد حيل دونه * وإني لظمآن إليك وصادي ذكرتك إن هبت شمالاً وإن بدا * لعيني من تلك المعالم بادي متى ما أرد سيراً إليك تردني * مخافة آساد هناك عوادي وكان سكن إشبيلية وولي المناكح بها ثم سكن فاس وأقرأ بها ثم ولي قضاء بلده جيان سنة تسعين وخمسمائة ، ومن شعره : أيا نخلتي يوماً بالله أسعدا * غريباً بكى من فقد أهل وجيران يحن إلى ظليكما وفؤاده * رهين بأظعان حللن بجيان توصل أقصى الغرب والشرق همه * ويذكر أوطاناً فحن لأوطان وما ذاك عن بغض ولا عن قلى لها * ولكن عدت عنها تصاريف أزمان عسى من قضى بالبعد عنهم بلطفه * يسدد من حالي ويصلح من شاني جيجل : مدينة قديمة بينها وبين ميلة من أرض المغرب مرحلة وبين جيجل وبجاية خمسون ميلاً ، وهي مدينة صغيرة على ضفة البحر ، والبحر يحيط بها ويضرب سورها ، وهي على نظر كبير وهي كثيرة التفاح والفواكه ، وعنها تحمل إلى بجاية ، والعنب والرب ، وعلى نحو ميل منها جبل بني زلدوي وهو كثير الخصب وفيه قبائل كثيرة من البربر وفيه كانت دعوة أبي عبد الله الشيعي ، وهو جبل كتامة ، ولما طرق طاغية صقلية جيجل بنى أهلها في هذا الجبل مدينة حصينة ، فهم يسكنون المرسى والساحل في زمن الشتاء فإذا كان زمن الصيف ووقت سفر البحر ارتفعوا إلى حصنهم الأعلى البعيد من البحر ، وبقي في الأسفل جمع منهم بأمتعتهم متحرزين من العدو . وبجيجل الألبان والسمن والعسل والزروع الكثيرة والحوت المتناهي طيباً ، ولها مرسيان : مرسى في جنوبها وعر الدخول صعب لا يدخل إلا بدليل حاذق ، ومرسى في جهة الشمال ساكن الحركة كالحوض لكنه صغير لا يحتمل الكثير من المراكب . وعند جيجل جبل الرحمن ، وهي مدينة قديمة على البحر ولها سور قديم يضرب البحر فيه ، وهي على نظر كبير كثير